السيد مرتضى الموسوي ( مستنبط غروى )

53

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وقد ظهر من هذه الآية انّ الجحيم مأوى الطاغين اى الخارجين عن ربقة العبودية علما وعملا وهم الكفار والمنافقون بقرينة مقابلها وهو قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى اى وامّا من خاف مقام الربوبيّة علما ونهى نفسها لذلك من هويها اى عمّا تريده بحب نفسانيّتها وهو الحياة الدنيا عملا فالأول مقابل للاوّل والثاني للثاني ، ومن المعلوم انّ الثاني في كلا المقامين معلول الأول ولذا اخّر في الذكر فايثار الحياة الدنيا إذا كان لأجل الطغيان والخروج عن ربقة العبوديّة وعدم الاعتناء بالرب أصلا يكون كفرا عملا ومأويه الجحيم وامّا إذا لم يكن لذلك بل لأجل تسويل النفس والاعتماد بكرم الرب الكريم وفضله العظيم ومنّه الجسيم وستره الجميل وعفوه الجليل كما قال سيّدا الساجدين وزين العابدين عليه السّلام في دعاء أبى حمزة الثمالي الهى لم اعصك حين عصيتك وانا بربوبيتك جاحد ولا بأمرك مستخفّ ولا لعقوبتك متعرّض ولا لوعيدك متهاون لكن خطيئة عرضت وسولت لي نفسي وغلبني هواي وأعانني عليها شقوتي وغرّنى سترك المرخى علىّ الخ فلا يكون طغيانا وكفرا ولا الجحيم مأويه بل امّا يشمله العفو والرحمة بالإنابة والتوبة وامّا يكتفى في مؤاخذته بمصائب الدنيا أو بشدائد الموت وما بعده كظلمة القبر وضيق اللحد ولسع العقارب والأفاعي ونحوها حتّى يطهر من أرجاس الذنوب ويصفو ويدخل الجنّة مع المؤمنين الصالحين . ويدلّ على ما ذكرنا أيضا ما قاله سيّد المؤحّدين أمير المؤمنين عليه السّلام في دعاء الكميل وهو قوله : فباليقين اقطع لولا ما حكمت به من تعذيب جاحديك وقضيت به من اخلاد معانديك لجعلت النار كلّها بردا وسلاما وما كانت لاحد فيها مقرا ولا مقاما لكنك تقدست أسمائك أقسمت ان تملأها من الكافرين من الجنة والناس أجمعين وان تخلد فيها المعاندين وأنت جلّ ثنائك قلت مبتدئا وتطولت بالانعام متكرما أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون .